محمدحسن القبيسي العاملي
139
تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي
من حمأ مسنون - أي الطين المتعفن الاسن - اني خالق بشرا من طين . اذن شاء اللّه ان يخلق خليفته وممثله في الأرض من مادة ترابية عفنة ، وهي أحقر الأشياء واحطها ثم ينفخ فيها من روحه التي هي أقدس الأشياء وأعظمها فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين . فالانسان اذن مخلوق من عنصرين ، من الطين المتعفن ومن روح اللّه ، كائن نصفه جسد ونصفه روح الإله ، قبضة من تراب الأرض ونفحة من النور أي الجسم من الطين والانسان من روح اللّه تعالى واطلاق ان الانسان مركب اطلاقا مجازيا . وفي الحقيقة ان نقول الانسان نوراني من روح اللّه تعالى وله جسم حيواني أصله من الطين وهذا هو الاطلاق الصحيح لعنوان الانسان لا غير ( ق ) يعني انه كائن ذو بعدين ، وذو قطبين متضاديين ، بخلاف سائر الموجودات المخلوقة فإنها كلها ذات بعد واحد فقط . فالانسان له بعدان ، بعد واحد منه يميل به إلى الطين وينشد إلى التراب ويترسب في الأرض ، كما تترسب الأوحال في قاع البحر فهذه المواد المترسبة تبقى في القعر ولا تتحرك كالأمواج بل تظل راسبة جامدة وهكذا الانسان طبيعته الأرضية ميالة إلى الترسب والجمود وحب الراحة والقعود ، والانشداد والتشبث بالأرض ( ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ، أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ . ) ومن جانب آخر فبعده الثاني هو روح اللّه - بتعبير القرآن - يأخذ به إلى الصعود والسمو وإلى الاعلى - بخلاف بعده الأول - وبهذه الروح يتمكن ان يصعد ويرتقى إلى أعلى قمة يمكن تصورها والارتفاع البها وهي البلوغ إلى اللّه وإلى الكمال المطلق ان إلى ربك المنتهى . وهذا السر الأول لعظمة الانسان ، انه كائن ذو بعدين مادي وروحي ارضي وسماوي ، كائن نصفه جسد ونصفه روح اللّه . فكل انسان له هذان البعدان ، وبإرادته يتمكن ان ينزل إلى طبيعته